جان لوئيس بوركهارت
76
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
ثماني ساعات مررنا بشلال وادى حلفا ، وهو الشلال الثاني المشهور ، والذي تراه على مصورات النوبة تحت اسم The Cataract of Jan Adel ، « 1 » وقد كونه جزء من النهر فقط عرضه عشرون ياردة على الأكثر . وينحدر الماء فوقه في سرعة وهدير ورغاء لا تجدها في أي بقعة أخرى من بقاع بطن الحجر حتى ولا في شلال أسوان . على أنه غير جدير باسم الشلال « 2 » ، فليس فيه سوى ثلاثة مساقط أو صخور منحدرة يسقط منها الماء بسرعة كبيرة . وينتشر العرب الذين يسكنون الجزائر القريبة منه شباكهم على المساقط فيصيبون سمكا كثيرا . والتل العالي القائم على البر الغربى قرب الشلال هو نهاية الصخور الأولية في بطن الحجر . ومن ثم إلى الشمال لا يجد المرء غير الحجر الرملي حتى يبلغ الشلال الأول . كانت الشمس توشك أن تغرب بعد أن رأيت الشلال ، وكان ما معي من زاد قد نفد فيما خلا الذرة ، فأردت أن أبلغ مكانا آهلا بالسكان قبل هبوط الليل . لذلك سرت حثيثا ، ومررنا في طريقنا فوق التلال الرملية بالبقعة المواجهة لوادى حلفا ، وبعد عشر ساعات وصلنا ضفاف النيل أمام سقوى ، ورأيت هناك آثار معبد متهدم جدا . والبناء كله مدفون تحت تلال من الرمل والأنقاض ، ولا تبدو منه غير قطع من أطراف الأعمدة . وأعمدة الأركان الأربعة مربعة الشكل ، وكذلك عمودان من الأعمدة الجانبية . أما سائر الأعمدة فمستدير ، وقطرها يقرب من قدمين
--> ( 1 ) أطلق مؤرخو العرب وجغرافيوهم على شلالات النيل اسم « الجنادل » أو الشلالات وقد أخذ الأوربيون اللفظ الأول وكونوا منه اسم علم هو Jan Adel قصروه في مصوراتهم على شلال وادى حلفا دون غيره . ( 2 ) روى لي دليلي وغيره من الروايات ما شوقنى لرؤية هذا الشلال الثاني الذي قيل لي إن ماءه « ينحدر كأنه ساقط من السماء ! » ولما رأيته على حقيقته ووبخت دليلي على غلوه في وصفه ، قال لي « وهل رأيت أروع منه من القاهرة إلى المحس ؟ » على أن المرء يجب أن ينشكك في روايات هؤلاء القوم تشككه في روايات عرب الشام ، بل أكثر . فقد أخبرني كثير من أهل النوبة أن المسافة من الدر إلى المحس يطويها المسافر في ستة عشر نهارا وليلا ، ولكنها لم تستغرق من غير عشرة . كذلك كانوا يحاولون مرارا تضليلى كلما وجهت إليهم أسئلة تبدو لهم خارجة عن موضوع أحاديثهم المألوفة ، والتي لا تدور إلا حول أثمان البلح والذرة ، والمكوس المفروضة على السواقي ، والشكوى من جور الحكام وعسفهم .